أثناء عودتي مع جارتنا “علياء” ، كان الهم باديا عليها. فسألتها عما بها، فأخبرتني أن قلبها يعتصر ألما لأنها علمت أن “نهى”، زميلتها، لم تخبرها أنها سوف تنتقل إلى عمل جديد في شركة للبترول. مع أنها كلمتها هاتفيا في اليوم السابق، وتحدثا في أمور كثيرة. وتابعت: “إننا نخبر بعضنا عن كل جديد يجد في حياتنا كل يوم تقريبا”. لذلك آلمها كثيرا أن تخفي عنها نهى خبر انتقالها إلى عمل جديد.
قلت: “صحيح.. الصديقات يفعلن ذلك عادة.. ولكن.. هل ترين أنه ليس من حقها أن تخفي عنك بعض أخبارها”؟
قالت مترددة: “من حقها لكن…”!
اختزنت الكلام بداخلي، وسرحت بذهني ولم أستمع لبقية الحديث.. ثم، في المنزل، وعلى المقعد الهزاز بالشرفة، دار هذا الحوار بداخلي:
قلت لنفسي: “أظن أنها لم تخبرك لأنها لم تتيقن من الخبر بعد، أو ربما جربت أنها عندما تتكلم في أمورها قبل أن تكون هذه الأمور قد تمت بالفعل، ثم لا تتم! تشعر أنها تسرعت في الكلام؛ وتحملك جزء من المسؤولية. وهي لا تريد أن تشعر بذلك.
قالت نفسي: “لكننا أصحاب، كما أنني أخبرها بكل شيء”.
قلت لها: “إذا كنت تخبريها بكل ما تشعرين به وما تمرين به، فربما لأنك ترتاحين عندما تخبريها. أو ربما لأنك تشعرين أن المشاركة تزيح الهم عن كاهلك. عندئذ، تكونين أنت مستفيدة.. ويكون كلامك معها من اختيارك أنت وليس من واجبات الصداقة”!!
ألقيت برأسي على مسند المقعد وتنهدت..
وتابعت كلامي لنفسي: “ربما أحزنك أن ماحدث كان خلاف ماتوقعت، لكنه ليس بالضرورة صحيحا أن تشعري بذلك”.
قالت نفسي: “ربما كنتِ محقة.. فحق الصداقة أن أستمع لما تريد هي قوله، وأن أحترم حقها أن في الاحتفاظ بما تشاء من أمورها لنفسها.. ومن حق الصداقة ألا أكون فضولية في شؤونها الخاصة. وربما كان الانشغال بأمور مهمة في الحياة يصرف الناس عن الاهتمام بصغائر الأمور؛ مثل الرغبة في معرفة أخبار الآخرين”.
قلتُ لنفسي: “فعلا.. فقد تربينا على ذلك في بيوتنا، وكنا نرى أمهاتنا تفعلن ذلك، لكننا نسيناها في زحمة الحياة.. وقد سمعت قولا جميلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من حُسْنِ إسلامِ المرءِ تَرْكُهُ مالا يَعْنيه)”.
في المساء، كلمتني علياء وأبلغتني إن صديقتها نهى كلمتها وأخبرتها بخبر عملها الجديد.. ثم أعقبت: “لقد كنتُ أنا آخر من أبلغَتْهُم.. لذلك، فقد عاهدت نفسي ألا أخبرها بأي أمر يخصني”.
فقلت باختصار: “إذا كان هذا يريحك.. فافعلي، فالأمر لك وليس من حق أحد أن يلومك”.
قالت: “الأولى أن تكون تلك الحدود بيننا في العمل وليس في الصداقة”.
قلتُ: “ربما اختلط الأمر عليكما، فتعاملتما كما لو كنتما صديقتين، بينما كنتما مجرد زميلتين”.
انتهت المكالمة، ووضعت السماعة وتذكرت قولا سمعته ذات مرة: “أننا لابد أن نعامل أحباءنا بنفس الحرص الذي كنا عليه عندما أردنا أن نتعرف عليهم أول مرة، وأن نبني معهم جسورا من الود”.